حيتان

كيف حقق ابن سعود واحدة من أعظم قصص التنمية في تاريخ البشرية!

 

في اليوم الوطني، اعتادت الشركات أن تهدي الوطن أغنية. لكن هناك هدية أخرى أكثر تعبيراً عن معنى الوطن: أن نتوقف قليلاً أمام ما تحقق، ونحاول قياسه بالأرقام، خصوصاً أن أغلب السعوديين اليوم لم يعيشوا البدايات الأولى للمملكة ولم يروا حجم المسافة التي قطعتها المملكة خلال أقل من قرن. السعودية اليوم دولة شابة. نسبة كبيرة من سكانها لم تعرف المملكة إلا وهي تمتلك مدناً حديثة، جامعات، مستشفيات، طرقاً، مطارات، اتصالات ومياه تصل إلى المنازل. هذه التفاصيل تبدو طبيعية للجيل الحالي إلى درجة أنها قد تخفي وراءها واحدة من أسرع عمليات التحول التنموي في التاريخ الحديث.

قبل نحو ثمانين عاماً، كانت الصورة مختلفة جذرياً. كان متوسط العمر المتوقع منخفضاً، وكانت وفيات الأطفال مرتفعة، والتعليم محدوداً، والوصول إلى المياه والخدمات الصحية والبنية الأساسية يمثل تحدياً حقيقياً في بلد شاسع المساحة وقاسٍ مناخياً. اليوم يعيش الإنسان السعودي في دولة يبلغ يصل متوسط العمر المتوقع فيها نحو 80 عاماً، وانخفضت وفيات الأطفال دون الخامسة إلى مستويات منخفضة جداً، وأصبحت المملكة تمتلك واحداً من أكبر أنظمة تحلية المياه في العالم، وشبكة بنية تحتية تربط مدنها وموانئها ومطاراتها ومناطقها الاقتصادية. هذه الأرقام لا تحكي قصة تحسن اقتصادي فقط. إنها تحكي قصة استثمار طويل الأجل في الإنسان.

 

من السهل اليوم ربط المعجزة السعودية بالنفط. وهذا صحيح من زاوية القدرة المالية؛ فالنفط منح الدولة موارد ضخمة استطاعت من خلالها تسريع بناء البنية التحتية والخدمات والمؤسسات. لكن قصة التنمية بدأت قبل أن يبدأ النفط. في السنوات الأولى من الدولة السعودية الحديثة، كانت الموارد محدودة جدا، ومع ذلك بدأ الملك عبدالعزيز الاستثمار في التعليم، والصحة، وتوطين السكان، وتأسيس المؤسسات، وإرسال الطلاب للتعلم في الخارج، وإنشاء المرافق التي تسمح للدولة بخدمة مواطنيها. رأس المال كان محدوداً، لكن الرؤية كانت موجودة. الدولة لم تكن تملك حينها الأدوات التي تملكها اليوم، ولم تنتظر معجزة تهبط من السماء، لكنها بدأت ببناء أهم أصل يمكن أن تمتلكه أي دولة الأ وهو: الإنسان.

ثم جاءت عوائد النفط، فأتاحت تسريع هذه الرغبة بصورة غير مسبوقة. المدارس انتشرت، والجامعات تأسست، والمستشفيات توسعت، والطرق والكهرباء والمياه وصلت إلى مناطق واسعة من المملكة، وتحوّلت المدن تدريجياً إلى مراكز اقتصادية واجتماعية حديثة. وبمرور العقود، أصبح الاستثمار في المواطن جزءاً من استمرارية الدولة نفسها، وانتقل من عهد الملك عبدالعزيز إلى أبنائه الملوك جيلاً بعد جيل. وهنا تظهر قيمة مهمة في تجربة المملكة: الثروة لم تُستخدم فقط لتغيير مستوى معيشة الجيل الحالي، بل لبناء قدرة الأجيال القادمة.

 

هناك مشكلة طبيعية تواجه المجتمعات التي تنجح بسرعة: الجيل الذي يولد في مرحلة الازدهار يعتقد أن الازدهار هو الحالة الطبيعية. الشاب السعودي الذي يذهب إلى الجامعة، يستخدم الإنترنت، يطلب الطعام من تطبيق، يسافر عبر مطار حديث، يشرب الماء من منزله، يحصل على الرعاية الصحية، ويتواصل مع العالم خلال ثوانٍ، قد لا يستطيع تصور أن كثيراً من هذه الأمور لم تكن متاحة لأسلافه قبل عقود قليلة. وهذا ليس خطأ في وعيه؛ إنها ببساطة مشكلة الفترة الزمنية التي نعيشها. الإنسان يقارن حياته بحياة  من حوله، ولا يقارنها دائماً بحياة من سبقه.

 

لذلك تصبح الأرقام مهمة. فمتوسط العمر المتوقع في السعودية ارتفع من مستويات كانت في حدود الأربعينيات في منتصف القرن الماضي إلى نحو 80 عاماً اليوم. وانخفضت وفيات الأطفال دون الخامسة من مستويات تجاوزت 200 وفاة لكل ألف ولادة في تقديرات الخمسينيات إلى نحو 6 لكل ألف اليوم. وهذه ليست أرقاماً اقتصادية. إنها تعني أن ملايين البشر الذين عاشوا حياة أطول، وأطفالاً نجا معظمهم من أمراض كانت في الماضي قاتلة، وأمهات حصلن على رعاية صحية أفضل، وأجيالاً كاملة حصلت على فرصة للتعليم والعمل. وهذا هو جوهر التنمية.

التاريخ يمكن قراءته من زوايا كثيرة، لكن إحدى أكثر الزوايا دلالة هي ما يحدث للثروة عندما تتوافر. كان بإمكان أسرة حاكمة أسست دولة جديدة، ثم اكتشفت ثروة نفطية هائلة، أن تجعل الأولوية لتراكم الثروة الخاصة والنفوذ الشخصي. لكن المسار السعودي أخذ اتجاهاً مختلفاً. تحولت عوائد الدولة إلى مدارس وجامعات ومستشفيات وطرق وموانئ ومطارات ومياه وكهرباء، ثم إلى ابتعاث، وتطوير للكوادر، وبناء مؤسسات، ثم إلى مشاريع اقتصادية عملاقة تستهدف خلق قطاعات جديدة وفرص عمل جديدة.

 

هذه ليست مجرد سياسة مالية. إنها تعكس فلسفة حكم ترى أن قوة الدولة مرتبطة بقوة مواطنها. وهنا تكمن قيمة معدن القيادة السعودية الذي يظهر عبر الأجيال. فاستمرارية التركيز على الإنسان والتعليم والصحة والبنية الأساسية عبر عهود الملوك السعوديين تعطي التنمية السعودية بعداً يتجاوز ربطها بوجود الموارد. 

 

المرحلة الأولى من التجربة السعودية ركزت على بناء الإنسان. ثم جاءت مرحلة بناء المدن والبنية التحتية والمؤسسات. واليوم تدخل المملكة مرحلة مختلفة: بناء منظومة اقتصادية قادرة على إنتاج القيمة عالمياً. وهذا التحول مهم لرجال الأعمال تحديداً. فالدولة التي استثمرت لعقود في تعليم مواطنيها وصحتهم وبنيتها الأساسية أصبحت تمتلك قاعدة يمكن للشركات أن تبني فوقها. الجامعات تخلق المواهب. المدن تخلق الأسواق. المطارات والموانئ تخلق الحركة. الأنظمة الرقمية تخلق الكفاءة. رأس المال يخلق القدرة على التوسع. والاستقرار يخلق الثقة. وهذه العناصر مجتمعة هي البنية التحتية التي يحتاجها القطاع الخاص حتى ينمو.  لذلك فإن الفرصة السعودية الحالية لا يمكن فهمها فقط من خلال حجم الإنفاق الحكومي أو مشاريع رؤية 2030. الفرصة أعمق من ذلك. إنها نتيجة تراكم استثماري امتد لعقود في الإنسان والمؤسسات والبنية الأساسية. 

 

ربما لا نحتاج في اليوم الوطني إلى تكرار حجم الإنجازات فقط. لكن نحتاج إلى فهمها. لأن معرفة نقطة البداية تجعلنا ندرك قيمة نقطة الوصول. الجيل السعودي الحالي ورث دولة مستقرة، ومجتمعاً متعلماً، وبنية تحتية واسعة، واقتصاداً كبيراً، ومكانة دولية، وطموحاً يتجاوز حدود المنطقة. وهذه ليست نهاية القصة. لكن المرحلة القادمة ستقاس بقدرة السعوديين على تحويل كل هذا التراكم إلى إنتاجية وابتكار وشركات عالمية ومعرفة وتنافسية اقتصادية.

 

وهنا تقع مسؤولية الجيل الحالي. فالملك عبدالعزيز أسس الدولة، وأبناؤه واصلوا بناء مؤسساتها واقتصادها، والجيل الحالي ورث قاعدة لم تكن موجودة قبل أقل من قرن. وفي اليوم الوطني، ربما تكون أفضل هدية يمكن أن نقدمها للوطن هي أن نفهم حجم ما ورثناه، ثم نضيف إليه. السعودية التي نعيشها اليوم لم تظهر فجأة. إنها نتيجة عقود من الاستثمار في الإنسان، والاستقرار، والمؤسسات، والبنية التحتية، والثروة التي تحولت تدريجياً إلى قدرة وطنية. والتحدي الآن أن يتحول هذا الإرث إلى جيل جديد يصنع قيمة تتجاوز حدود المملكة، وربما المنطقة. كل عام وسعوديتنا الحبيبة بكل خير! 

 

مع تحيات 
فريق التحرير بحيتان
Type at least 1 character to search