الذكاء الاصطناعي ليس الفقاعة… لكن طريقة تسعيره قد تكون كذلك
لم يعد السوق الأمريكي مجرد سوق للأسهم، بل أصبح أحد أهم مؤشرات اتجاه الاقتصاد العالمي. ففيه تتجمع أكبر شركات التقنية وأكثرها ابتكارًا، وتُتداول فيه الشركات التي تقود التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي، من الحوسبة السحابية إلى الرقائق والذكاء الاصطناعي. وخلال السنوات الأخيرة، واصل السوق الأمريكي جذب رؤوس الأموال بوتيرة استثنائية، مدفوعًا بنمو أرباح الشركات الكبرى، وارتفاع إنتاجيتها، وقدرتها على تحويل الابتكار التقني إلى نماذج أعمال تحقق إيرادات وأرباحًا ضخمة. ولم يعد هذا الجذب مقتصرًا على المستثمر الأمريكي؛ فقد أصبح المستثمر العالمي جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة، ومن بينهم المستثمر السعودي الذي تجاوزت قيمة تداولاته في الأسواق الأمريكية 800 مليار ريال خلال عام 2025.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد رغبة في المضاربة على الأسهم الأمريكية، بل تعكس تحولًا أعمق في خريطة رأس المال العالمي. المستثمر السعودي أصبح قادرًا على الوصول مباشرة إلى الشركات التي تقود الاقتصاد الجديد، بينما أصبحت الشركات الأمريكية قادرة على جذب رأس المال من مختلف أنحاء العالم لتمويل توسعاتها وابتكاراتها. وفي قلب هذا التحول يقف الذكاء الاصطناعي. الذكاء الاصطناعي ليس موجة استثمارية عابرة. هو تقنية ستعيد تشكيل طريقة عمل الشركات، وترفع الإنتاجية، وتخفض تكلفة بعض المهام، وتفتح نماذج أعمال جديدة لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.
وكما حدث مع الإنترنت، ستبقى الخدمة والتقنية حتى بعد اختفاء كثير من الشركات التي تبني أعمالها عليها اليوم. لكن التاريخ الاقتصادي يوضح أن قوة التقنية لا تعني بالضرورة أن كل شركة مرتبطة بها تستحق التقييم الذي يمنحه لها السوق. هذه هي المفارقة التي تواجه الأسواق الأمريكية اليوم. في نهاية التسعينيات، كان الإنترنت تقنية ثورية بالفعل. لم يكن الخطأ في الاعتقاد بأن الإنترنت سيغير العالم؛ فقد كان ذلك صحيحًا. الخطأ كان في الاعتقاد بأن كل شركة تستخدم الإنترنت ستصبح شركة ناجحة، وأن النمو المستقبلي يمكن أن يبرر أي تقييم مهما ارتفع. النتيجة كانت فقاعة الدوت كوم. انهارت شركات كثيرة، اختفت أسماء كانت تحظى بتقييمات ضخمة، وخسر المستثمرون مليارات الدولارات. لكن الإنترنت لم يختفِ. على العكس، خرج من الأزمة اقتصاد رقمي أكثر قوة، وظهرت لاحقًا شركات مثل Amazon و Google وغيرها لتصبح من أكبر الشركات في العالم.
وهذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن يستوعبه المستثمر ورجل الأعمال اليوم: قد تكون التقنية صحيحة، بينما يكون سعر الاستثمار فيها خاطئًا. وهذا بالضبط ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة ومثيرة للقلق في الوقت نفسه. شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى تحقق إيرادات حقيقية، وتملك عملاء حقيقيين، وتنفق عشرات ومئات المليارات على البنية التحتية والحوسبة والرقائق ومراكز البيانات. وبالتالي فإن مقارنة السوق الحالي بفقاعة الدوت كوم بشكل مباشر ليست دقيقة. لكن وجود الأرباح لا يمنع تشكل الفقاعة. الفقاعات لا تبدأ بالضرورة عندما تكون التقنية وهمية، بل عندما تصبح توقعات المستثمرين أسرع من قدرة الاقتصاد والشركات على تحقيق تلك التوقعات.
وهنا بدأت تظهر إشارات تستحق الانتباه. ارتفاع تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، وتدافع المستثمرين على الشركات المرتبطة بالقطاع، وتوسع الاستثمارات داخل منظومة الذكاء الاصطناعي نفسها، كلها عوامل قد تؤدي إلى خلق دورة من التفاؤل المتبادل. ارتفاع التقييم يجذب رأس المال، ورأس المال يمول التوسع، والتوسع يرفع التوقعات، والتوقعات المرتفعة تدفع المستثمرين إلى قبول تقييمات أعلى. طالما استمر النمو، تبدو هذه الدورة منطقية. لكن عندما يتباطأ النمو ولو قليلًا، يمكن أن تنقلب المعادلة بسرعة.
ولهذا السبب بدأ بعض أكثر المستثمرين خبرة في العالم يرفعون درجة التحذير. جيريمي غرانثام، أحد أشهر المستثمرين الذين حذروا تاريخيًا من فقاعات الأصول، يرى أن السوق الأمريكي وصل إلى مستويات مرتفعة جدًا من التقييم، وأن حماس الذكاء الاصطناعي قد يكون أحد مصادر المبالغة الحالية. وراي داليو تحدث أيضًا عن مظاهر تشبه مراحل الفقاعات السابقة، خصوصًا عندما ترتفع التوقعات المستقبلية بسرعة أكبر من قدرة الأرباح الفعلية على مواكبتها. أما وارن بافيت، الذي بنت استراتيجيته على شراء الأصول عندما يرى قيمة حقيقية مقابل السعر، فقد أصبح احتفاظ Berkshire Hathaway بمستويات قياسية من السيولة أحد أكثر المؤشرات التي يراقبها المستثمرون. هذه التحذيرات لا تعني أن الذكاء الاصطناعي سينهار، ولا أن السوق الأمريكي يتجه بالضرورة إلى أزمة شبيهة بعام 2000. بل تعني أن هناك فرقًا جوهريًا بين الاستثمار في مستقبل التقنية ودفع أي سعر للحصول على جزء من هذا المستقبل.
ولرجال الأعمال تحديدًا، هذه النقطة أكثر أهمية من حركة المؤشر نفسه. فالسوق لا يبالغ فقط في تقييم الشركات؛ أحيانًا يعيد تشكيل سلوك الشركات نفسها. عندما يكتشف المدير التنفيذي أن المستثمرين يكافئون أي ارتباط بالذكاء الاصطناعي، يصبح من الطبيعي أن تحاول الشركات إعادة تقديم نفسها باعتبارها جزءًا من هذه الموجة. وربما تكون قصة شركة الأحذية Allbirds مثالًا صارخًا على هذا السلوك؛ فقد أعلنت الشركة تحولها بعيدًا عن نشاط الأحذية باتجاه الذكاء الاصطناعي، وقفز سهمها بشكل حاد. قد تكون هذه حالة استثنائية، لكنها تكشف شيئًا مهمًا عن سلوك رأس المال: عندما يصبح المستثمرون متعطشين للنمو، يمكن أن تتحول كلمة واحدة مثل «AI» إلى عامل مؤثر في تقييم الشركة. وهنا يبدأ الخطر الحقيقي. ليس في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في أن يصبح الارتباط بالذكاء الاصطناعي أكثر قيمة من القدرة على تحقيق أرباح منه.
رجل الأعمال المحترف لا يحتاج إلى الهروب من هذه الموجة، بل يحتاج إلى فهمها. الذكاء الاصطناعي سيبقى. وسيغير الشركات. وسيخلق صناعات جديدة، ويرفع الإنتاجية، ويخفض تكاليف، ويغير طريقة تقديم الخدمات. وسيكون من الصعب تصور الاقتصاد العالمي خلال العقد القادم من دون الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما أصبح من المستحيل اليوم تصور الاقتصاد العالمي من دون الإنترنت. لكن شركات كثيرة لن تبقى. كما حدث في الدوت كوم، قد تختفي أسماء كثيرة، وتفشل نماذج أعمال، وتتبخر تقييمات ضخمة، بينما تستمر التقنية نفسها وتنضج وتنتقل إلى مرحلة أكثر واقعية. وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر منطقية للذكاء الاصطناعي أيضًا: ليس اختفاء التقنية، وإنما اختفاء بعض التقييمات التي سبقت الواقع.
بالنسبة للمستثمر السعودي الذي أصبح جزءًا من حركة رأس المال العالمية، وبالنسبة لرجل الأعمال الذي يخطط لبناء شركة في اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على التقنية، فإن فهم هذه المرحلة يتجاوز متابعة أسعار الأسهم. الفرصة الحقيقية ليست في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي فقاعة من عدمه. الفرصة في معرفة أي الشركات ستبقى عندما تنتهي الحماسة، وأي الشركات كانت تعيش عليها فقط. في نهاية المطاف، الإنترنت لم يكن فقاعة. الشركات التي بالغت في تقييم نفسها خلال فقاعة الإنترنت هي التي كانت كذلك. والذكاء الاصطناعي لن يكون فقاعة. لكن بعض الشركات والتقييمات والسلوكيات التي تُبنى حوله قد تكون كذلك.
تنويه مهم: هذا التحليل لا يمثل أي توصية استثمارية وإنما هو مجرد تحليل للأسواق، وينبغي مراجعة الإفصاحات الرسمية للشركات واستشارة المحللين الماليين المرخصين من هيئة السوق المالية خاصة في ظل المخاطر العالية للاستثمار.نود إيضاح أن عددا من أفراد فريق البودكاست يملكون استثمارا غير مباشر في الشركات المدرجة في السوق الأمريكي. جميع العلامات التجارية المذكورة في هذا المادة تعود ملكيتها لأصحابها.
مع تحيات
فريق التحرير بحيتان