من النشوة إلى التصحيح: ماذا تعلّمنا قصة هبوط سهم نايس ون؟
في الأسواق المالية، لا تعكس الأسعار الواقع بقدر ما تعكس التوقعات. وقصة نايس ون تقدم نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للفجوة بين التوقعات والأداء أن تعيد تشكيل قيمة شركة خلال فترة وجيزة. ما حدث مع الشركة لم يكن مجرد تراجع في السعر، بل انتقال سريع من مرحلة التفاؤل المفرط إلى إعادة تقييم أكثر واقعية.
بدأت نايس ون كقصة ريادية سعودية كلاسيكية: فريق شاب، انطلاقة عبر إنستغرام، ثم تحول إلى متجر إلكتروني استطاع خلال فترة قصيرة أولية الوصول إلى قرابة مليوني عميل. هذا النمو السريع جذب اهتمام المستثمرين من أفراد وصناديق، وعزز الثقة دخول شخصيات استثمارية بارزة مثل سليمان الحبيب. ومع هذا الزخم، بدأ إدراج الشركة في السوق خطوة طبيعية، بل ومتوقعة.
في الثامن من يناير 2025، جاء الإدراج مدفوعًا بحماس استثنائي؛ تغطية الاكتتاب تجاوزت 140 مرة، وارتفع التقييم في أول يوم تداول من نحو 3.5 إلى أكثر من 4.5 مليار ريال. هذه الأرقام لم تكن تعكس فقط أداء الشركة، بل حجم التوقعات المبنية عليها. كان السوق يتعامل مع نايس ون باعتبارها قصة نمو سريعة قد تستمر لسنوات بنفس الوتيرة. لكن هذه التوقعات بدأت تصطدم بالواقع مع إعلان النتائج المالية. تباطؤ نمو المبيعات وتراجع صافي الربح إلى مستويات قريبة من عام 2021 شكلا نقطة تحول واضحة في نظرة المستثمرين. المثير للاهتمام أن هذه المؤشرات لم تكن مفاجئة بالكامل، إذ كانت مذكورة في إفصاحات ما قبل الإدراج، لكن الحماس الاستثماري غالبًا ما يقلل من وزن المخاطر، خاصة في المراحل الأولى من التداول عندما يرتفع السعر بسرعة من 35 إلى 68 ريال. جزء كبير من سوء التقدير يعود إلى فهم غير دقيق لطبيعة قطاع التجارة الإلكترونية.
هذا القطاع، رغم حجمه الكبير ونموه السريع، يتميز بهوامش ربح منخفضة بسبب شدة المنافسة وارتفاع تكاليف الاستحواذ على العملاء والخدمات اللوجستية. حتى شركات عالمية مثل أمازون لا تحقق هوامش عالية في نشاطها الأساسي، وتعتمد بشكل كبير على قطاعات أخرى مثل الخدمات السحابية لتعزيز الربحية. وبالتالي، فإن ما حدث مع نايس ون يعكس إلى حد كبير خصائص القطاع نفسه، وليس فقط أداء الشركة.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الشركة بدأت باتخاذ خطوات تهدف إلى تحسين نموذجها الربحي. من أبرز هذه الخطوات التوجه نحو رفع هامش الربحية من خلال المنتجات الخاصة، وهو ما ظهر في استحواذها على “أوبشن بي”. هذا التوجه يمنح الشركة قدرة أكبر على التحكم في التسعير وتحقيق هوامش أعلى مقارنة ببيع منتجات علامات أخرى. نماذج مشابهة في السوق، مثل الماجد للعود، تظهر كيف يمكن للمنتجات المملوكة أن تصل بصافي ربح تقارب 20%. في المقابل، تشير التقديرات إلى أن تكلفة المنتجات (هامش الربح) لدى نايس ون تصل إلى نحو 75% من سعر البيع، وهو ما يفسر الضغط الكبير على صافي الربحية، سواء نتيجة المنافسة السعرية أو شروط الشراء من الموردين.
على المستوى التشغيلي، يمثل افتتاح مركز توزيع جديد في جدة خطوة مهمة نحو تحسين الكفاءة، خاصة مع تركز نسبة كبيرة من العملاء في المنطقة الغربية. تقليل المسافات اللوجستية ينعكس مباشرة على التكاليف وسرعة التوصيل وتجربة العميل، وهي عوامل حاسمة في قطاع تنافسي بهذا الشكل. كذلك، فإن التوجه لافتتاح متاجر فعلية يشير إلى محاولة تبني نموذج قنوات متعددة، يتيح للشركة الوصول إلى العملاء بطرق مختلفة، وقد يمنحها مرونة أكبر في التسعير وتعزيز العلامة التجارية.
ورغم هذه التحركات، يبقى التحدي الأكبر مرتبطًا بطبيعة السوق نفسه. نايس ون تعمل في بيئة تنافسية تضم لاعبين كبار مثل أمازون ونون، إضافة إلى متاجر محلية تتمتع بقرب جغرافي من العميل. في مثل هذا السوق، لا يكفي الاعتماد على النمو أو التوسع، بل يصبح التميز الحقيقي قائمًا على تقديم قيمة مختلفة يصعب تقليدها. ما تكشفه هذه القصة في جوهره ليس فقط رحلة شركة، بل ديناميكية متكررة في الأسواق المالية: مرحلة من التوقعات المرتفعة التي تدفع التقييمات إلى الأعلى، تليها مرحلة تصحيح تعيد ربط السعر بالواقع التشغيلي.
الدرس الأهم هنا أن النمو، مهما كان سريعًا، لا يمكن فصله عن جودة الربحية واستدامتها. وفي النهاية، فإن قدرة نايس ون على استعادة ثقة المستثمرين لن تعتمد فقط على التوسع، بل على نجاحها في بناء نموذج يوازن بين النمو والكفاءة، ويجد لنفسه مساحة واضحة في سوق مزدحم.
” تنويه مهم: هذا التحليل لا يمثل أي توصية استثمارية وإنما هو مجرد قراءة للأسواق، وينبغي مراجعة الإفصاحات الرسمية للشركات واستشارة المحللين الماليين المرخصين من هيئة السوق المالية خاصة في ظل المخاطر العالية للاستثمار. كما نؤكد أن فريق البودكاست بجميع مكوناته لا يملك أي استثمار مباشر أو غير مباشر أثناء تحرير هذه المادة في الشركة التالية: نايس ون. جميع العلامات التجارية المذكورة تعود ملكيتها لأصحابها.