يزيد الراجحي و«دييل»: هل تنجح الجرأة في إعادة تشكيل قطاع السوبرماركت منخفض الربحية؟
في بيئات الأعمال التي تتسم بالتحولات السريعة، غالبًا ما يُنظر إلى القادة القادرين على إعادة تشكيل الأسواق على أنهم استثناءات قادرة على كسر القواعد التقليدية. إلا أن التاريخ الاستثماري يُظهر أن نجاح هذه الفئة من القادة لا يعتمد فقط على الجرأة أو القدرة المالية، بل على مدى توافق استراتيجياتهم مع توقيت السوق والخصائص الهيكلية للقطاع الذي يدخلونه. وفي هذا السياق، تمثل خطوة يزيد الراجحي نحو دخول قطاع السوبرماركت من خلال مشروع “دييل” اختبارًا حقيقيًا لهذه المعادلة. فبعد نجاحه في قطاعات مثل العطور والمقاهي والمطاعم — حيث يمكن إعادة تشكيل السوق عبر استراتيجيات تسعير جريئة وتوسع سريع — يواجه اليوم بيئة مختلفة تمامًا، تُعرف بهوامشها المنخفضة وتعقيداتها التشغيلية العالية. في قطاع مثل تجزئة الغذاء، لا تتجاوز هوامش الربح الصافي في كثير من الأحيان بضعة نقاط مئوية، كما هو الحال مع شركات مثل أسواق العثيم، وهو ما يحدّ بشكل كبير من القدرة على استخدام التسعير كأداة تنافسية دون التأثير المباشر على الربحية. هذه الديناميكية تجعل الكفاءة التشغيلية، وليس الجرأة، هي العامل الحاسم في تحقيق النجاح المستدام.
إضافة إلى ذلك، يتطلب بناء شبكة سوبرماركت ناجحة استثمارات رأسمالية كبيرة، ليس فقط في إنشاء الفروع، بل في إدارة المخزون وسلاسل الإمداد التي تُعد العمود الفقري لهذا النوع من الأعمال. وعلى عكس القطاعات الخفيفة نسبيًا من حيث الأصول، فإن أي توسع سريع غير مدعوم بأنظمة تشغيلية فعالة قد يؤدي إلى تضخم التكاليف بشكل يلتهم أي ميزة تنافسية محتملة. كما أن السوق السعودي، رغم اتساعه، ليس ساحة خالية، بل يضم لاعبين كبارًا مثل لولو ماركت، بنده، والتميمي، الذين يتمتعون بقدرات تشغيلية متقدمة وسلاسل توريد راسخة، ما يرفع سقف التحدي أمام أي داخل جديد يسعى لتحقيق تأثير سريع.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية العامل الذي غالبًا ما يميز مثل هذه التحركات: القدرة على إعادة التفكير في النموذج التشغيلي نفسه. فإذا كان هناك مجال لإحداث تغيير حقيقي، فلن يأتي من مجرد التوسع أو خفض الأسعار، بل من إعادة تصميم تجربة التسوق، وتحقيق مستويات أعلى من الكفاءة، وربما استخدام القوة الشرائية لتحقيق وفورات الحجم بشكل أسرع من المنافسين.
في النهاية، لا يتعلق السؤال بما إذا كان السوق قادرًا على استيعاب لاعب جديد، بل بما إذا كان هذا اللاعب قادرًا على التكيف مع قواعد لعبة مختلفة عن خبراته السابقة. فبينما قد تكون الجرأة والسيولة كافيتين لاقتحام قطاعات معينة، فإن النجاح في قطاع مثل السوبرماركت يتطلب مزيجًا أدق من الانضباط التشغيلي، وإدارة التكاليف، والقدرة على تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد دون الاعتماد المفرط على أدوات قصيرة الأجل. ومن هذا المنطلق، يمثل مشروع “دييل” أكثر من مجرد توسع استثماري؛ إنه اختبار حقيقي لمدى قابلية نماذج النجاح السابقة للتكرار في سياقات مختلفة، وهو اختبار لن تحسمه التوقعات بقدر ما سيحسمه التنفيذ على أرض الواقع.
” تنويه مهم: هذا التحليل لا يمثل أي توصية استثمارية وإنما هو مجرد قراءة للأسواق، وينبغي مراجعة الإفصاحات الرسمية للشركات واستشارة المحللين الماليين المرخصين من هيئة السوق المالية خاصة في ظل المخاطر العالية للاستثمار. كما نؤكد أن فريق البودكاست بجميع مكوناته لا يملك أي استثمار مباشر أو غير مباشر أثناء تحرير هذه المادة في الشركات التالية: مجموعة لولو، صافولا، أو أسواق العثيم. جميع العلامات التجارية المذكورة تعود ملكيتها لأصحابها.”