حيتان

هل تسطيع الرياض منافسة باريس سياحيا؟

سؤال يبدو طموحًا، وربما جريئًا: هل يمكن للرياض أن تنافس باريس سياحيًا؟


لكن بعيدًا عن الانطباعات السريعة، هذا سؤال يستحق تحليلًا واقعيًا مبنيًا على التاريخ، والأرقام، والمشاريع المستقبلية.

 

باريس اليوم تُعد من أكثر المدن زيارة في العالم، كما أنها من أعلى المدن من حيث إنفاق السياح. هي مدينة لا يكتفي الناس بزيارتها، بل يرتبطون بها عاطفيًا. كل شخص يعشق باريس لسبب مختلف، لكن ما الذي جعلها تصل إلى هذه المكانة العالمية؟

الجواب يبدأ من التخطيط. باريس لم تُبْنَ عبثًا، بل هي نتاج هندسة نابليونية واعية، صُممت لتكون مدينة ساحرة. الشوارع وُسّعت، وزُرعت بالأشجار، والمقاهي نُشرت بعناية على ضفاف نهر السين، فصار المشي تجربة، والجلوس طقسًا، والمدينة مشهدًا متكاملًا.

ثم جاء دور الثقافة. كتّاب الروايات الفرنسيون والأمريكيون نقلوا سحر باريس إلى العالم عبر الأدب، فصارت مدينة تُقرأ قبل أن تُزار. وبعد ذلك، عززت هوليوود هذه الصورة من خلال أفلام خالدة مثل GIGI وMidnight in Paris، لتتحول باريس إلى حلم عالمي مشترك.

عندما لاحظت الحكومة الفرنسية هذا التعلّق، لم تتركه للصدفة. تم حماية المناطق التراثية، والاستثمار في الفنون، والأدب، والأزياء، وفنون الطهي، بهدف تعميق العلاقة العاطفية بين المدينة وزوارها. وهكذا أصبحت باريس ليست مجرد وجهة، بل حالة ثقافية كاملة.

لكن رغم كل ذلك، فإن باريس كمدينة تمتلك عناصر سياحية واضحة ومحددة. وعندما نقارن هذه العناصر بما يجري تطويره في الرياض، نكتشف أن الرياض تسير بخطى مدروسة في الاتجاه الصحيح.

 

 

في باريس، يقف برج إيفل كعنصر أيقوني واضح في قلب المدينة. وفي الرياض، سيبرز مشروع المربع كعنصر جذب عصري يعكس هوية مستقبلية مختلفة.
الشانزليزيه بأسواقه الفاخرة يجد نظيره في الرياض من خلال منطقة تسوق ضخمة تقع وسط أكبر مشروع تراثي في العالم، وهو مشروع الدرعية.

وبالقرب من باريس نجد ديزني لاند، بينما بالقرب من الرياض تتشكل القدية، التي تُصنف كأكبر مدينة لعب في العالم. باريس غنية بالحدائق، والرياض مقبلة على اكتمال المسار الرياضي وافتتاح ثلاث حدائق كبرى ستغير شكل المدينة. (حديقة الملك سلمان، حدائق الملك عبدالله، حديقة العروبة) 



في عالم المتاحف، من الصعب منافسة اللوفر، لكن الرياض تستعد لافتتاح متحفين مميزين (متحف الفنون الملكية/ متحف مسك) سيضعانها على الخريطة الثقافية العالمية. وعلى مستوى الطعام، يرى كثيرون أن الرياض اليوم تتفوق عالميًا، خصوصًا في المطاعم الصغيرة والتجارب المحلية الأصيلة.

 

أما من ناحية البنية التحتية، فإن ما تشهده الرياض من توسع في المستشفيات، وملاعب كأس العالم، ومنطقة الإكسبو، يجعلها مدينة مهيأة لاستقبال أعداد ضخمة من الزوار، ويضعها في موقع تنافسي قوي.

 

ورغم كل ذلك، لا تزال الرياض بحاجة إلى لمسات إضافية: مسجد فريد بمعمار أيقوني، وماركات أزياء محلية تحمل هوية واضحة. عندها فقط يمكن القول إن المشهد اكتمل، وأن “الزين يكمل… في الرياض”.

 

الأهم أن الرياض ليست مشروعًا سياحيًا معزولًا، بل جزء من منظومة سياحية سعودية متكاملة. السائح يستطيع في رحلة واحدة أن ينتقل من شواطئ البحر الأحمر وأمالا، إلى المدن الجبلية مثل أبها، إلى متحف تراثي مفتوح مثل العلا، وصولًا إلى مكة والمدينة ببنيتهما التحتية الجبارة التي تسهّل زيارة المشاعر المقدسة.

 

الأرقام تؤكد هذا التحول. في عام 2019 بلغ عدد السياح القادمين من خارج المملكة حوالي 18 مليون سائح، بينما وصل في عام 2024 إلى نحو 30 مليون سائح، أي بزيادة سنوية تقارب 2.5 مليون سائح. إنفاق السياح من الخارج أضاف للاقتصاد المحلي 168 مليار ريال سعودي في عام 2024 فقط.

 

168 مليار ريال رقم ضخم. ولو كانت السياحة شركة، لكان دخلها يعادل دخل شركات مثل stc، والتعاونية، وعلم، والمراعي، ومستشفيات الحبيب، والبنك الأهلي، والعثيم… مجتمعين.

 

هذه الأرقام، مع المشاريع القادمة، تبشر بصناعة سياحية ناجحة وإضافة اقتصادية حقيقية للمملكة. واللافت أن السياحة كانت أكبر قطاع اقتصادي في السعودية قبل اكتشاف النفط، ما يعني أن ما نشهده اليوم هو عودة قوية لهذا القطاع التاريخي.

 

الميزة الكبرى لصناعة السياحة أنها تحرك جميع قطاعات الاقتصاد. ومن منظور استثماري، فإن فرص النمو واضحة، وسوق الأسهم مليء بشركات مرتبطة بالسياحة، من الفنادق إلى شركات الطيران.

 

نعود أخيرًا للسؤال الأساسي: هل تستطيع الرياض منافسة باريس؟

الإجابة الواقعية: الرياض ستكون منافسًا قويًا جدًا على الساحة السياحية العالمية.

ويكفي الرياض أنها فازت بقلب الأمير بدر بن عبدالمحسن، حين قال: “آه… ما أرق الرياض.”

 

لمشاهدة حلقة البودكاست في اليوتيوب من خلال الرابط هنــــا



تنويه مهم: هذا التحليل لا يمثل أي توصية استثمارية وإنما هو مجرد قراءة للأسواق، وينبغي مراجعة الإفصاحات الرسمية للشركات واستشارة المحللين الماليين المرخصين من هيئة السوق المالية خاصة في ظل المخاطر العالية للاستثمار. جميع العلامات التجارية المذكورة تعود ملكيتها لأصحابها.

 

مع تحيات 
فريق التحرير بحيتان

Post a comment:

Comment

Type at least 1 character to search