هل تستطيع المستشفيات الخاصة السعودية الصمود في وجه التغييرات القادمة؟
مدة القراءة (٨ دقائق)
في شهر أكتوبر الماضي، استقبل معرض الصحة العالمي (Global Health) في الرياض أكثر من 150 ألف زائر من مختلف أنحاء العالم، في أحدث نسخة التي تعكس حجم الاهتمام المتزايد بالقطاع الصحي في المملكة. هذا الحضور الضخم ليس إلا دليلًا واضحًا على النمو المتسارع الذي شهده القطاع خلال السنوات العشر الأخيرة، والذي نما بوتيرة مذهلة جعلت منه أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. المنظومة الصحية في السعودية تمرّ بمرحلة تحول إيجابي شامل، إلا أن التساؤلات تزداد حول قدرة المستشفيات الخاصة على مواكبة التغييرات القادمة، والاستمرار في تحقيق الربحية في ظل التحولات التنظيمية والتنافسية المتسارعة. فهل سيكون الاستثمار في المستشفيات الخاصة مجديًا على المدى المتوسط والبعيد؟
بدأت قصة الطب الحديث في السعودية عام 1956م حين افتتح الملك سعود – رحمه الله – مستشفى الشميسي في الرياض، ليكون أول مستشفى مركزي حديث في المملكة. ومنذ ذلك الحين، دخلت السعودية عصرًا جديدًا من الرعاية الصحية، حيث ارتفع عدد المستشفيات الحكومية خلال سبعين عامًا إلى أكثر من 350 مستشفى موزعة على مختلف المناطق. تعدّ السعودية من الدول القليلة في العالم التي توفر العلاج المجاني لمواطنيها، كما أن الإنفاق الحكومي على الصحة ظلّ من أبرز أولويات الدولة التي تسعى باستمرار لتحسين جودة الحياة وضمان سهولة الوصول إلى الخدمات الطبية. هذا الاستثمار الحكومي الضخم أثمر عن نجاحات استثنائية، منها:
- مستشفى الحرس الوطني الذي يُعدّ الأول عالميًا في فصل التوائم السيامية.
- مستشفى الملك فيصل التخصصي الذي أجرى أول عمليات زراعة كبد وقلب روبوتية بالكامل.
- مستشفيات جامعة الملك سعود التي أسست أول مرجع بحثي عربي لطب النوم.
وفي موازاة هذا التطور الحكومي، شهد القطاع الصحي الخاص أيضًا قفزة هائلة خلال فترة قصيرة، حتى وصل عدد المستشفيات الخاصة في المملكة إلى نحو 150 مستشفى.
أبرز المستشفيات الخاصة في السعودية
تتصدر مجموعة الدكتور سليمان الحبيب قائمة المستشفيات الخاصة من حيث المبيعات، مع تركيزها على استقطاب الكفاءات الطبية وتقديم خدماتها لعملاء التأمين المميزين. تنتشر فروعها في الرياض ومدن أخرى داخل المملكة ودبي، مع خطط للتوسع في العواصم الخليجية. أما مجموعة دلة الصحية، وتشتهر بنهجها الاستثماري والاستحواذي، إذ تمتلك حصصًا في عدد من المنشآت الكبرى مثل مستشفى المملكة، المركز الدولي الطبي، ومستشفى محمد الفقيه.
بينما تُعد مجموعة فقيه الطبية من أكثر المجموعات تنوعًا في خدماتها، إذ تدير مستشفيات في جدة والمدينة والرياض ودبي، وتشغل الخدمات الطبية في الخطوط السعودية ومستشفى نيوم، إضافة إلى كلية صحية تعليمية ومراكز للبصريات. مستشفيات المواساة هي من أقدم المؤسسات الطبية الخاصة في المملكة، تتمركز في المنطقة الشرقية وتتوسع حاليًا نحو الرياض والمدينة المنورة.
مستشفيات رعاية بدأت كمؤسسة تابعة للتأمينات الاجتماعية وتوسعت إلى ستة مستشفيات بخطط نمو طموحة. أما مجموعة الحمادي الصحية فإلى جانب مستشفياتها، تمتلك مصنع أدوية وشركة تشغيل للمنشآت الصحية. وفي المنطقة الشرقية، تواصل مجموعة الموسى الصحية التوسع بعد نجاحها في نيل ثقة أرامكو السعودية منذ بداياتها.
كما تبرز مستشفيات السعودي الألماني بحضور إقليمي قوي، إذ تُرخص علامتها التجارية لمستشفيات في الإمارات ومصر واليمن وباكستان. وأخيرًا، مستشفيات الحياة الوطني تركز على المناطق الأقل تنافسًا مثل جازان والقصيم والمدينة المنورة.
من جانب آخر، بدأت شركات التأمين الدخول إلى مجال تقديم الرعاية الصحية الأولية والمنزلية لتقليل كلفة التعويضات. فقد أسست “التعاونية” تسع عيادات تحت اسم مينا (MENA)، بينما أطلقت “بوبا” خدمة الطبيب الافتراضي عبر الإنترنت. اللافت أن معظم التوسعات الجديدة تتجه نحو شمال الرياض، وبالتحديد في حي النرجس، الذي يبدو أنه سيصبح “ساحة المعركة” القادمة للمستشفيات الكبرى.
الأداء المالي للمستشفيات المدرجة
تشير بيانات 2024 إلى أن إيرادات المستشفيات الخاصة المدرجة في السوق السعودي واصلت النمو القوي خلال السنوات الأخيرة. وتتصدر مجموعة الحبيب القائمة بإيرادات تتجاوز 11 مليار ريال، تليها دلة الصحية بـ 3.2 مليار ريال، ثم السعودي الألماني بـ 2.8 مليار ريال. أما من حيث الإيرادات لكل طبيب، فجاءت المواساة في الصدارة بـ 3.23 مليون ريال للطبيب، تليها دلة بـ 3.2 مليون، ثم رعاية بـ 2.5 مليون ريال. ويُعزى انخفاض متوسط العائد للطبيب في الحبيب إلى اعتمادها الكبير على الأطباء العاملين بدوام جزئي.
من ناحية الربحية، تصدّرت الحمادي بنسبة 29٪ صافي ربح، تليها رعاية بـ 23٪، ثم المواساة بـ 22٪. أما نسب السعودة فتتراوح بين 30-35٪ في معظم المجموعات، باستثناء مجموعة الموسى التي تُعد الأعلى بنسبة تقارب 78٪.
أسباب النمو السريع للقطاع الخاص أحد أهم محركات النمو كان إلزامية التأمين الصحي لجميع موظفي القطاع الخاص منذ عام 2016، مما خلق سوقًا ضخمة ومستقرة للمستشفيات الخاصة. في عام 2024، بلغت قيمة وثائق التأمين الطبي نحو 42 مليار ريال، منها 32 مليار ريال مدفوعات مباشرة للمستشفيات، وهو ما عزّز مبيعاتها واستثماراتها التوسعية.
التحول الصحي القادم
- تعتمد خطة التحول الصحي الوطني على محاور رئيسية:
- رفع جودة الخدمات الصحية.
- تعزيز الوقاية قبل العلاج.
- توسيع التغطية التأمينية لتشمل جميع المواطنين.
- تعتمد خطة التحول الصحي الوطني على محاور رئيسية:
وسيعتمد نموذج التمويل الجديد على الدفع مقابل الأداء، بحيث تحصل المستشفيات الحكومية على مدفوعات تأمينية عن كل إجراء طبي، بدل الميزانيات الثابتة. هذا التحول سيحفزها لرفع كفاءتها التشغيلية واستقطاب المرضى، مما يزيد من استدامتها المالية ويعزز كفاءة النظام الصحي العام.
التحديات المقبلة في القطاع الصحي
يتجه نحو منافسة شرسة على الكفاءات الطبية، خصوصًا الأطباء المتخصصين، مما يرفع تكاليف التشغيل (التي تمثل نحو 50٪ من إجمالي التكاليف). ومع أن المستشفيات الخاصة تستفيد حاليًا من الكفاءات المدربة على حساب البرامج الحكومية، إلا أن استمرار هذه الميزة غير مضمون مستقبلاً. فقد تواجه المستشفيات تحديًا كبيرًا في تحمل التكاليف الحقيقية لتوظيف الكفاءات المحلية والدولية.
فرص النمو المستقبلية
- رغم التحديات، يظل المستقبل واعدًا للقطاع الصحي السعودي، وتحديدًا في ظل محركات النمو التالية:
- النمو الاقتصادي المحلي وزيادة عدد المشمولين بالتأمين.
- ارتفاع نسبة المصابين بالسكري (قرابة 20٪ من السكان) مما يزيد الطلب على الخدمات الطبية.
- نمو فئة كبار السن خلال العقد القادم.
- التحول التقني في تقديم الخدمات مثل العيادات الافتراضية والرعاية المنزلية. لا يمكن تجاهل دور شركات التقنية الكبرى مثل STC وموبايلي وأسند، التي بدأت في تطوير حلول افتراضية للرعاية الصحية تُعيد تعريف مفهوم المستشفى.
- السياحة العلاجية التي تستفيد من سمعة المملكة الطبية وبنيتها التحتية المتطورة.
- التحول التقني في تقديم الخدمات مثل العيادات الافتراضية والرعاية المنزلية. لا يمكن تجاهل دور شركات التقنية الكبرى مثل STC وموبايلي وأسند، التي بدأت في تطوير حلول افتراضية للرعاية الصحية تُعيد تعريف مفهوم المستشفى.
في النهاية، يبدو أن السعودية مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل كاملة لقطاع الرعاية الصحية، حيث تلتقي الكفاءة التشغيلية مع الابتكار والاستثمار. وإذا كان الماضي حافلًا بقصص نجاح المؤسسات الحكومية، فإن المستقبل قد يكون مشهد المنافسة الكبرى بين المستشفيات الخاصة على ثقة المريض السعودي وجودة الخدمة المقدمة له.
لمشاهدة الحلقة الثالثة من بودكاست حيتان من هنــا
مع تحيات
فريق التحرير بحيتان



