من البطاريات إلى الطائرات: بداية قصة نجاح سعودية!
عندما نتحدث عن الصناعة في السعودية، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن مصانع البتروكيماويات، أو مشاريع السيارات الجديدة كلوسيد وسير، أو الصناعات الغذائية. لكن السؤال الأهم: هل تخيّلت يومًا أن يكون في المملكة مصنع لتجميع الطائرات؟
قبل الحديث عن مصنع تجميع الطائرات تحديدًا، من المهم التوقف عند الصورة الأشمل، والنظر إلى أبرز اللاعبين الذين يقودون اليوم مسار تطوير الصناعة في المملكة. الصناعة ليست مسارًا بسيطًا أو سريع النتائج. هي منظومة متكاملة تتطلب: بناء خبرات بشرية متراكمة، تطوير قدرات بحثية وتقنية، وقوة مالية قادرة على المنافسة عالميًا. ولهذا السبب، تمر اقتصادات الدول عادة بمراحل تدريجية. تبدأ بالزراعة حيث المهارات محدودة، ثم تنتقل إلى الصناعات الخفيفة، قبل أن تصل – بعد سنوات من الجهد والاجتهاد – إلى الصناعات المتقدمة ذات القيمة المضافة العالية.
الاقتصاد والمهارات الصناعية يشبهان النبتة؛ يحتاجان وقتًا للنمو، وتدرجًا طبيعيًا في بناء الجذور قبل الوصول إلى القمة. لكن تجربة السعودية كانت مختلفة. في أقل من ستين عامًا، نما الاقتصاد السعودي نموًا متسارعًا، نتيجة الاستغلال الأمثل للثروة النفطية من قيادتنا الرشيدة في توجيه هذه الموارد. هذا التسارع، رغم إيجابياته الكبيرة، جعل بعض القطاعات – وعلى رأسها الصناعات الغير نفطية – لا تأخذ وقتها الطبيعي للنمو التدريجي. ومع ذلك، ما نراه اليوم يشير إلى أن الخطة الصناعية للمملكة واعدة.
على المستوى الحكومي، هناك مبادرات تسهّل على المستثمر الصناعي: الحصول على أراضٍ صناعية، الاستفادة من قروض صناعية، الدخول في برامج دعم متعددة كتخفيف الرسوم وتقلل التكاليف التشغيلية. في المسار الموازي، يلعب صندوق الاستثمارات العامة دورًا استراتيجيًا في بناء قطاعات صناعية جديدة. فالصندوق لا يكتفي بالاستثمار في صناعة السيارات داخل المملكة، بل أسس أيضًا شركة آلات، بهدف الدخول في تحالفات استراتيجية تستهدف نقل التصنيع المتقدم إلى السعودية. ونتيجة لنجاح هذا التوجه، شهدنا دخول شركات عالمية مثل: مصنع لينوفو وشركة TK للمصاعد. كما تركز “آلات” على قطاعات ذات أولوية استراتيجية، مثل: التقنيات الذكية أشباه الموصلات الأجهزة الطبية.
نعتقد أن تأثير شركة آلات في المستقبل قد يكون شبيهًا بتأثير شركة علم في بداياتها، حين ساهمت بشكل مباشر في بناء البنية التحتية الرقمية وتدريب الكفاءات الوطنية. والحقيقة أن جزءًا كبيرًا من النمو التقني في المملكة كان لشركة علم دور أساسي فيه، وهو نموذج يُحتذى به للشركات الوطنية الطامحة لبناء أثر طويل المدى. ولا يمكن إغفال دور الصناعات العسكرية، التي كانت – تاريخيًا وفي معظم الدول الصناعية – داعمًا رئيسيًا لتوطين الصناعات، ونقل المعرفة، ورفع مستوى سلاسل الإمداد المحلية.
وسط هذا المشهد الصناعي المتكامل، لفت انتباهنا مثال ملهم على مستوى المبادرات الفردية. شباب سعوديون قرروا الدخول في مجال تجميع الطائرات داخل المملكة. وبالفعل، تمكنوا من تجميع أول طائرة لهم، ونجحت في التحليق في سماء السعودية. هذا الحماس والطموح دفعنا لزيارة شركة Space Seen، والجلوس معهم، والاستماع إلى تجربتهم عن قرب، والاطلاع على تفاصيل رحلتهم الأولى. وكانت مدهشة، لذا وثقنا هذه الزيارة بمقاطع خاصة في حلقة جديدة من حيتان على هذا الرابط.