كأس العالم ليس بطولة رياضية… بل منصة استثمارية للدول
عندما يُذكر كأس العالم، تتجه الأنظار تلقائيًا إلى المنتخبات، والنجوم، والمباريات. لكن من منظور اقتصادي، لا يمثل كأس العالم منافسة بين 48 منتخبًا فقط، بل منافسة بين الدول على جذب الاستثمارات، وتعزيز السياحة، وتسويق هويتها الوطنية أمام مليارات المشاهدين.
تجني الفيفا من كأس العالم عشرات المليارات من الريالات عبر حقوق البث، والرعايات، والتذاكر، والمنتجات المرخصة، ما يجعل البطولة المصدر المالي الأهم في نموذج أعمالها. ومع ذلك، فإن المكاسب التي تحققها الدول المستضيفة قد تتجاوز ما تحققه الفيفا نفسها، إذا تعاملت مع البطولة باعتبارها جزءًا من استراتيجية تنموية طويلة الأجل، لا حدثًا رياضيًا ينتهي بإطلاق صافرة النهاية.
الفيفا تبيع المحتوى… والدول تستثمر في المستقبل
يعتمد نموذج الفيفا على امتلاك الحقوق التجارية لأكبر حدث كروي في العالم، وتحويل الاهتمام الجماهيري إلى إيرادات. وبالنسبة للفيفا، تنتهي دورة الاستثمار مع نهاية البطولة، ثم تبدأ الاستعدادات للنسخة التالية.
أما الدول المستضيفة، فتمتلك فرصة مختلفة تمامًا. فالاستثمار لا يقتصر على بيع التذاكر أو استقبال الزوار لمدة شهر، بل يشمل تطوير البنية التحتية، وتحسين تجربة المدن، وبناء صورة ذهنية جديدة، وخلق أصول اقتصادية تستمر في تحقيق العوائد لعقود.
لهذا السبب، لا تُقاس جودة استضافة كأس العالم بحجم الإنفاق، بل بقدرة الدولة على تحويل هذا الإنفاق إلى أصول منتجة بعد انتهاء البطولة.
لماذا نجحت بعض الدول وفشلت أخرى؟
تجارب الدول المستضيفة خلال العقدين الماضيين تكشف أن النجاح لا يرتبط بحجم الاستثمار، وإنما بطريقة استثماره.
يمكن تقسيم الدول إلى ثلاثة نماذج رئيسية.
النموذج الأول يتمثل في الدول التي تمتلك أصلًا بنية تحتية رياضية متقدمة، مثل الولايات المتحدة وألمانيا. بالنسبة لهذه الدول، جاءت استضافة كأس العالم لتزيد من استغلال أصول قائمة، ولم يكن الهدف إنشاء ملاعب جديدة بقدر ما كان رفع معدل استخدام منشآت تعمل بالفعل.
أما النموذج الثاني، فيتمثل في دول أنشأت بنية تحتية جديدة، لكنها نجحت في دمجها ضمن اقتصاد الفعاليات والسياحة. وتُعد قطر مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ لم تتوقف الاستثمارات عند انتهاء البطولة، بل أصبحت المنشآت جزءًا من استراتيجية أوسع لاستقطاب الفعاليات الدولية وتنشيط القطاع السياحي.
في المقابل، واجهت بعض الدول تحديًا مختلفًا. فقد أنفقت مليارات الدولارات لبناء ملاعب حديثة، لكنها لم تتمكن من إيجاد استخدام اقتصادي مستدام لها بعد البطولة، فتحولت بعض المنشآت إلى أصول مرتفعة التكلفة ومنخفضة العائد.
تكشف هذه التجارب أن الملعب لا يمثل الاستثمار الحقيقي، بل طريقة تشغيله بعد البطولة هي التي تحدد نجاح المشروع أو فشله.
اقتصاد الفعاليات أكثر أهمية من اقتصاد المباريات
يتعامل كثيرون مع الملاعب باعتبارها منشآت رياضية، بينما تنظر الاقتصادات المتقدمة إليها كمراكز أعمال متعددة الاستخدامات.
ملعب مرسيدس بنز في مدينة أتلانتا الأمريكية يقدم نموذجًا واضحًا لهذا المفهوم. فالمنشأة لا تعتمد على مباريات كرة القدم أو كرة القدم الأمريكية فقط، بل تستضيف حفلات موسيقية، ومعارض، ومؤتمرات، وفعاليات جماهيرية على مدار العام، ما يرفع معدل استخدام الأصل ويزيد العائد على الاستثمار.
هذا التحول من “ملعب” إلى “منصة فعاليات” هو ما يميز الاقتصادات التي تنجح في تعظيم العائد من استضافة البطولات العالمية.
القوة الناعمة… الأصل الذي يصعب قياسه
لا تتوقف مكاسب كأس العالم عند الإيرادات المباشرة.
فكل بطولة تمثل حملة تسويقية عالمية للدولة المستضيفة، يتابعها مئات الملايين من الأشخاص. وخلال أسابيع قليلة، تتشكل لدى المشاهدين صورة جديدة عن المدن، والبنية التحتية، والثقافة، ومستوى الخدمات، وحتى المنتجات المحلية.
هذا النوع من التسويق يصعب شراؤه عبر الحملات الإعلانية التقليدية، لأنه يعتمد على تجربة حقيقية ينقلها ملايين الزوار إلى بقية العالم.
بعد استضافة قطر لكأس العالم، ارتفع عدد السياح السنوي بصورة ملحوظة مقارنة بما قبل البطولة، كما أصبحت الدولة أكثر حضورًا في خارطة السياحة العالمية. ولم يكن ذلك نتيجة المباريات وحدها، بل نتيجة الاستفادة من البطولة لإعادة تعريف صورة الدولة عالميًا.
ماذا تعني استضافة كأس العالم للسعودية؟
تستعد المملكة لاستضافة كأس العالم 2034 في وقت يختلف جذريًا عن تجارب كثيرة سبقتها.
فالاستضافة تأتي ضمن رؤية اقتصادية متكاملة تستهدف تنويع مصادر الدخل، وزيادة مساهمة السياحة والترفيه في الناتج المحلي، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للفعاليات.
كما أن السعودية لا تبدأ من نقطة الصفر. فقد راكمت خلال السنوات الماضية خبرة كبيرة في استضافة بطولات الملاكمة، وسباقات الفورمولا 1، ورالي داكار، وكأس العالم للرياضات الإلكترونية، إضافة إلى فعاليات ثقافية وترفيهية عالمية. هذه التجارب أسهمت في بناء منظومة تشغيل وتنظيم يمكن توظيفها بعد كأس العالم، بما يعزز استدامة الاستثمارات في المنشآت الرياضية.
ومن منظور المستثمر، تمتد الفرص إلى قطاعات أوسع بكثير من الرياضة نفسها. فالمقاولات، ومواد البناء، والفنادق، والطيران، والنقل، والتجزئة، والأغذية، والترفيه، وإدارة المرافق، والتقنيات الرقمية، جميعها مرشحة للاستفادة من دورة اقتصادية طويلة تتجاوز فترة البطولة.
الدرس الاستراتيجي
أثبتت التجارب العالمية أن كأس العالم لا يصنع أثرًا اقتصاديًا بمجرد استضافته، وإنما من خلال الرؤية التي تسبقه والخطة التي تليه.
الفيفا ستظل تحقق أرباحها من بيع الحقوق التجارية، لكن الدول التي تنظر إلى البطولة باعتبارها منصة لتطوير المدن، وتنشيط السياحة، وتعزيز القوة الناعمة، ورفع كفاءة البنية التحتية، تمتلك فرصة لتحقيق قيمة اقتصادية تمتد لعقود.
وبالنسبة للسعودية، فإن النجاح الحقيقي في عام 2034 لن يُقاس فقط بجودة التنظيم، بل بقدرة المملكة على تحويل كأس العالم إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من النمو السياحي والاستثماري، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030، ويجعل البطولة جزءًا من قصة اقتصادية أطول بكثير من تسعين دقيقة على أرض الملعب. كل التوفيق لسعوديتنا الجميلة. طموحنا عالي مثل طويق.
تنويه مهم: هذا التحليل لا يمثل أي توصية استثمارية وإنما هو مجرد قراءة للأسواق، وينبغي مراجعة الإفصاحات الرسمية للشركات واستشارة المحللين الماليين المرخصين من هيئة السوق المالية خاصة في ظل المخاطر العالية للاستثمار. جميع العلامات التجارية المذكورة تعود ملكيتها لأصحابها.